اخر ما كتب

الاثنين، 25 يوليوز 2011

فساد العلماء

العلماء هم ورثة الأنبياء في العلم والعمل والبذل والجهاد، هم صمام الأمان لدى الأمة إذا ما داهمتها الخطوب الجسام، هم الذين يُصلحون إذا فسد الناس ويتصدون للتيارات الجارفة بهم نحو الهلاك، هم القادة المصلحون الذين يقودون العباد والبلاد إلى بر السلامة والأمان، هم الطليعة الذين يتقدمون الشعوب نحو كل خير، ومحل ثقتهم وآمالهم.
لذا أمر الله تعالى بطاعة العلماء، وخصهم بالذكر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}، وفي قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، وفي قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا}، فمِنْ أولي الأمر الذين تجب طاعتهم؟.. إنهم العلماء.
ولعلماء الإسلام سلطان على الأرواح تخضع له العامة طواعية ورغبة، خضوعا فطريا لا تكلف فيه، لشعورهم بأن العلماء هم المرجع في بيان الدين، وهم لسانه المعبر حقا عن حقائقه والمبين لشرائعه، وهم حُراسه المؤتمنون على بقائه، والورثة الحقيقيون لمقام النبوة.
هذا هو دور العلماء، وهكذا كانوا، وهكذا يجب أن يكونوا.
ولكن عندما يرضى العالِم لنفسه خلاف ذلك، فيصبح من ورثة الشياطين بدلا من أن يكون ضمن ورثة الأنبياء؛ يرضى أن يكون بوقا للظالمين؛ يبرر ظلمهم ويزينه في أعين الناس، يلبس الحق بالباطل، يقول ما لا يفعل ويفتي بما لا يعلم.. فإنه مباشرة يفقد دوره الريادي القيادي المناط به، ليصبح من الذين ضلوا وأضلوا، ويكون مَثَلُه في ذلك مَثَلُ سحرة فرعون قبل أن يقولوا (آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى).
إن فساد الحكام أهون على المسلمين من فساد العلماء؛ فتهلك حينئذٍ البلاد والعباد وتغرق السفينة بمن فيها من الصالحين والطالحين.. فيقع الندم، ولات حين مندم!.
ورحم الله ابن المبارك إذ يقول:
وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوكُ وأحبارُ سُوءٍ ورُهبانُهَا
من مظاهر فساد العلماء
ولكي ندرك خطورة فساد العلماء لا بد أن نتعرف على مظاهر هذا الفساد والتي منها ما يلي:
1- اقتصار العالِم على الوعظ والإفتاء: بعيدا عن واقع الأمة وآلامها، وحصر الدين في المسجد، حتى أصبح علمانيا في واقعه وحياته.. فكثير من الناس اقتنعوا بفصل الدين عن السياسة والحياة عندما رأوا من دعاة المسلمين مَن يفصلون في واقع حياتهم بين الدين وبين شئون الحكم والحياة!! ولا يُرى إلا وهو يؤم المسلمين بالمسجد في صلاتهم، أما الذي يؤمهم خارج المسجد في جميع مجالات الحياة وميادينها فهو الطاغوت.
2- مخالفة قول العالم لفعله: فالإيمان إذا فارق العمل كان الهلاك والدمار، وانقلب العلماء من ورثة للأنبياء إلى ورثة للشياطين والأبالسة؛ فقد يمنح العلم حصانة للعقول، وقد تمنع المعرفة الإنسان من الانحدار، لكن ذلك لا يتم إلا بعمل يوافق العلم، وفعل يواكب المعرفة، وصدق الله: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون).
3- إثارة العالم الفتن والشقاق بين المسلمين: فمن العلماء من فتنتهم المذاهب والخلافات الجدلية في أصول الدين وفروعه، وغطت عليهم العصبيات المذهبية وجه الحق، إضافة إلى مصائب التفرق والخلاف التي أذهبت ريحهم، ففرقوا الأمة بدل أن يوحدوها وأضلوها بدل أن يرشدوها.
4- ترك العالم لمهمته في أداء الرسالة: فنجد من العلماء من انشغل عن الإصلاح، منصرفا عن النصح، معرضا عن الإرشاد والتذكير، متنكرا لدعوة الحق بالكلمة الصريحة وموقف الرجولة وأداء الشهادة.
5- تملق العالم لأصحاب الجاه والسلطان: فمن العلماء من أتقن تزكية الظلم والدفاع عن الظالمين علانية بإصدار الفتاوى التي تؤيد الباطل والأحكام التي تزكي الفساد وترسخه، وغايتهم واحدة وهي نيل رضا الحكام وذوي الهيئات بإغضاب الله تعالى.
6- كتمان العالم الحق: سواء أكان كتمانه بإخفاء الأحكام، أو بالزيادة فيها، أو بتحريف معانيها، أو الامتناع عن تعليم ما وجب عليه.
وآفة كتمان العلم غالبا ما تتناول الذين يتعلمون العلم من أجل الدنيا والتقرب من أصحاب الجاه والسلطة، فيضطرون حفاظا على مصالحهم إلى أن يكتموا.
أسباب فساد العلماء
وما فساد العلماء إلا بأسباب منها:
1- الجهل: فلا نقصد به الجهل بأصول الدين، أو الفقه أو الأحكام الشرعية؛ لأن هذه العلوم كثيرا ما يتقنها أيضا وعاظ السلاطين ومتشيطنة القصور. وإنما نقصد به الجهل بالآخرة. (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُون)، ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).
2- الهوى: فمحبة الدنيا والتعلق بالجاه والمنصب والشهرة والأضواء، والقرب من أرباب المال والجاه والسلطة سبب من الأسباب التي تؤدي بالعالم في النهاية إلى العناد وعلى هذا قوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) والغالب على هذا العناد ألا يقع إلا لغلبة الهوى، بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب حتى لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.
3- الغفلة: فقد يصير العالم بسبب الغفلة عن الله غير عالم، فقد لا تبصر العين، ولا تسمع الأذن، لغلبة الغفلة، فترتفع في الحال منفعة العين والأذن في حال الإصابة بمرض الغفلة.
4- اعتقاد العالم في نفسه أنه عالم: أو اعتقاد غيره فيه، ففي الحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"، فهؤلاء وقعوا في المخالفة بسبب ظنهم الجهل علما.
لهذه الأسباب وغيرها فسد بعض العلماء فضلوا طريق الحق وأضلوا غيرهم لاقتداء الناس بهم، وصدوا عن سبيل الله بغير علم.
أما العالم الحق الذي استشعر مسئوليته أمام الله وابتعد عن أدوات الفساد فقد هدي إلى صراط مستقيم.
نقلا عن اسلام اون لاين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليقات الاخيرة

اخر ما اضاف